علي بن أحمد الحرالي المراكشي

82

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

من محكم ذلك المتشابه ، حين اشتغل عما يعنيه من حال نفسه ، بما لا يعنيه من أمر ربه ، وكان كالمتشاغل بالنظر في زي الملك وتنظيره بزي نفسه ، عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده ، وتذلله لحرمته . وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين : مبهمة ، ومفصلة . أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله بغير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال ، وليتدرب المخاطب ، بتوقفه عن المبهم ، على توقفه عن مفصله . ومبهمه هو جوامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسعة والعشرين من سوره ، وبه افتتح الترتيب في القرآن ، ليلقى الخلق بادئ أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام ، إلى أن يمن الله بعلمه بفتح من لدنه ، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله كنهه ، من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه ، وذلك قوله تعالى : { ألم ( 1 ) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ } لمن علمه الله إياه { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } وقوفا عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه ، حتى تلحقه العناية من ربه ، فيعلمه مالم يكن يعلم . وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل ، المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزلات أمره ، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته ، وتصيير حكمته ، وباطن ملكوته ، وعزيز جبروته ، وأحوال أيامه . وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى